العلاقة بين الوالدين والأبناء


العلاقة بين الوالدين والأبناء هي أجمل وأصعب علاقة في نفس الوقت

الكثير من الأسر العربية تعاني من فجوة جيلية كبيرة، وأغلبها ليس بسبب الدين، بل بسبب موروثات ثقافية وقبلية أصبحت تفصل بالثوب الدين خطأً.

أولاً: أين يكمن الخلل الشائع؟

الوالد يعامل ابنه الشاب كأنه «جندي» في معسكر: أوامر و نواهي ورأي فردي يجب أن يطبق، وما أريكم إلا ما أرى،  (اسكت لأني أبوك)، (حرام لأني قلت حرام). وهذا التصرف في حد ذاته خطأ كبير، لا يرتقي إلى التربية المطلوبة التي تتبنى الحوار والإستماع وتشارك في الحديث ورأي لتكبر وترتقي هذه العلاقة إلى الإحترام والتقدير بين الطرفين، لكن عكس ما نراه اليوم.

الشاب يرد بطريقة دفاعية: صراخ، عصبية، انعزال، أو حتى قطع العلاقة، والنتيجة الخروج عن المسار الصحيح والتوجه إلى ما يحمد عقباه.

النتيجة التي لا تحمد:


بُعد عاطفي، ثم بعد مكاني (الإبن يترك البيت باكراً أو يقل التواصل بعد الزواج).

كل هذا يحدث رغم أن الإسلام أمرنا بالرفق والحوار والبر والرحمة.

ثانياً: المنهج النبوي الصحيح في التربية.

(الرسول صل الله عليه وسلم) كان يفعل عكس ما نفعله تماماً:

كان يُقبَّل الحسن والحسين أمام الصحابة، ويقول: «من لا يَرحم لا يُرحم».

كان يُقبِّل الأطفال والشباب ويضمهم (حتى أمام الأعراب الذين استغربوا ذلك).

حين جاء الشاب الذي قال «يا رسول الله ائذن لي بالزنا»، لم يصرخ في وجهه ولم ينهره ولم يرحل ويتركه، بل جلس بجانبه وحاوره بالعقل والحنان حتى اقتنع الشاب بنفسه.

قال للأقرع بن حابس حين استغرب تقبيله لأحفاده: «أوَ أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟».

إذن: الحنان والحضن والكلمة الطيبة سنة نبوية، وليس «عيباً» ولا «تدليعاً غربياً».

ثالثاً: كيف نبني جسوراً بدل الحواجز؟ (خطوات عملية من الطرفين)

من جهة الوالدين:

1. استبدل «الأمر المباشر» بالحوار:

بدل «ممنوع تطلع مع أصحابك»، قل: «أنا خايف عليك، تحب نشوف مع بعض حل نرتاح له كلنا؟».

2. اسمع قبل ما تأمر:

دقيقتين استماع حقيقي (بدون مقاطعة) يفعلان أكثر من ساعة مواعظ.

3. الإعتراف بمشاعر الإبن 

أنا أعرف أنك متضايق لأني منعتك، وأنا كذلك متضايق لأني أحبك وأخاف عليك، هل تحب أن نفكر مع بعض في بديل؟ وهكذا يصبح النقاش مرن والحلول بداخله تنتظر الإستئذان للخروج  وهو التوصل إلي حل يرضي الطرفين.

4. تَعَوَدْ على أن تعطي مساحة آمنة للنقاش:

اجعلوا جلسة أسبوعية اسمها «جلسة الصراحة» كل واحد يتكلم  بما عنده وبدون قيود متشددة أو نقاشات عوجاء أو اعتراضات تفضي لعدم اكتمال الاتفاق والحوار البناء المتحضر. 

5. احضن ابنك أو بنتك (حتى لو كبروا):

حضن دقيقة واحدة يومياً يقلل هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر) ويزيد الأوكسيتوسين (هرمون الحب). هذا علم، وليس كلام عاطفي فقط.

6. لا تقلل من أحلامه، حتى لو تبدو «مجنونة» بل كن أنت الداعم الأول و الأكبر له في تحقيق حلمه الذي قد يصبح حقيقة بوعيك وتصرفك الذكي.

قول أنا فعلاً فخورٌ أن لديك هذا الحلم كبير، خلينا نفكر مع بعض كيف نوصل له بطريقة آمنة، وقم بإعطائه بعض النصائح البسيطة التي تجعله يتمسك بحلمه وينموا معه إلى أن يصبح حقيقة على أرض الواقع وتكون أنت من ساهمت في ولادة هذا الحلم الذي كان إحساسا فتبنيته وأصبح ملموسا.

من جهة الشاب أو الشابة:

1. ابدأ الكلام دائماً بكلمة شكر أو حب:

«يا بابا أنا بحبك جداً وبهتم برأيك، لكن أنا محتاج أفهم لماذا تخاف عليّ إلى هذا الحد؟».

2. استخدم تقنية «أنا أشعر»:

«أنا أحس إني كبرت ومحتاج ثقة أكتر، لما تمنعني بدون نقاش بحس إن رأيي ما له قيمة».

3. لا ترفع الصوت أبداً، حتى لو الوالد رفع صوته:

الصمت أحياناً هو كلمة طيبة ينهي المشكلة.

4. اعرض حلول بدل الشكوى فقط:

«لو سمحت لي أطلع مع أصحابي لحد الساعة ١١، وأكلمك كل ساعة، ترتاح أكتر؟».

رابعاً: نصائح ذهبية نبدأ بها من الصغر (مهم جدًا)

علم طفلك من عمر ٤-٥ سنين إنه يقدر يقول أنا متضايق لأن، وأنت سوف تسمعه بدون عقاب بدون صراخ.

حضن يومي و كلمة أنا فخور بكَ/ بكِ حتى لو الدرجات عادية.

اجعلوا مجلس العائلة عادة أسبوعية:

كل واحد يقول شيء جميل  حصل له، أو محتاج مساعدة في شيء.

لا تستخدموا كلمة «حرام» إلا فيما حرم الله حقيقة، غير هذا قولوا نحن نرى كذا كذا آفضل.

شجعوا الابن أو البنت يسأل ويناقش: «ليش ربنا قال كذا؟»، هذا ليس قلة أدب، هذا ذكاء وإيمان.

في النهاية هذا الموضوع المثير أقول لكم:

العلاقة الجميلة مع الأبناء ليست بتسلط ولا بالقساوة ولا أيضا بتسيب والدلال الزائد  بل هي حب مع احترام الذي يولد  الحوار مع الثقة المتبادلة.

من يربي أبناءه بالحب والحوار والإحترام  سيجد أن أبناءه  أقرب الناس إليه حين يكبر،  وسوف يحضنونه هم بدلاً من أن يهربوا منه.

«إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ۝ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا» [سورة الإسراء:23-24]

هذه الآية للأبناء مع الوالدين،  فكيف بالوالدين مع الأبناء؟

إذا طبّقنا هذا المنهج من الصغر، سوف نربي جيلاً يحترم والديه حباً لا خوفاً، ويثق بهما لأنهما كانا صديقين قبل أن يكونا «حراساً».

💕💕💕💕💕

الأب والأم الذين رببوا أولادهم بصدق وأمانة هم من يستحقون البر وكامل الحب

يا من غرستم في دروب العمر أمانــيّا

وبسطتمُ القلبَ ضوءًا يمحو الدُّجى فيّا

ربَّيتُموني بحُبٍّ لا ينــفَدُ مَدَدُهُ

وحضنُكمُ صارَ وطنًا يحتوي فيّــا

إن كنتُ أزهرُ يومًا فأنتمُ سرُّ نَــداهُ

وبرّكُمُ فرضٌ… أدعو الإلهَ يَحْفَظُكُم حيّا 🌿💖