![]() |
| إحترام الوالدين يزرع من الصغر و الحوار الهادئ ثمرة عطاء تجنيها في الكبر |
مقدمة لابد منها أولا قبل الدخول في زحمة الموضوع الذي أصبح للأسف وباء شائع في عصرنا هذا. أريد أن أنصحكم بأن تُربوا أولادكم على الحب والحوار البناء والتفاهم والإحترام المتبادل منذ الصغر. لا تُصغّروا من شأنهم، ولا تُقللوا من أحلامهم أو مشاعرهم، فالكلمة القاسية تترك جرحًا يصعب شفاؤه، وفي نفس الوقت لا تدللوهم أكثر عن لازم يفهموا أن هذا حق لهم فينقلبوا عليكم، التوازن في كل الأمور مطلوب،
استمعوا إليهم كما تحبون أن يستمعوا إليكم يومًا ما، تخصيص وقت للحوار و جمع أفراد العائلة أصبح ضروري، لأن بهذا التصرف أنت تزرع قيم ينتفع بها المجتمع.
الطفل الذي يشعر أنه مُقدَر ومحبوب اليوم، هو الإبن الذي سوف يحترمكم ويبركم غدًا.
الحنان والعدل هما أقوى وسيلة لضمان البر، والتسلط والإهانة هما أسرع طريق للعقوق. عاملوهم كبشر صغار لهم كرامة، وسوف يحملون لكم الوفاء حين يكبرون.
لنبدأ في موضوعنا وأرجوا أن تفقهوه كما يجب. الله المستعان.
في زحمة الحياة وتسارع التحولات الاجتماعية، تتراجع أحيانًا بعض القيم التي طالما شكّلت أساس البناء الأخلاقي للمجتمعات. من بين هذه القيم، يبرز "بر الوالدين" كقيمة دينية وإنسانية واجتماعية لا يُمكن التفريط بها، يقابلها "العقوق" بوصفه سلوكًا مرفوضًا دينيًا وأخلاقيًا، يحمل في طياته آثارًا مدمّرة للأفراد والعلاقات الأسرية والمجتمع بأسره.
العقوق في ميزان الشريعة الإسلامية
جاءت النصوص الإسلامية واضحة وحاسمة في التحذير من العقوق، ووصفت هذا السلوك بأنه من الكبائر. يقول الله تعالى في محكم كتابه:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23].
وفي الحديث الشريف، قال النبي محمد صل الله عليه وسلم (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين) (متفق عليه).
التحذير الإلهي لا يقتصر على العقوبة الأخروية، بل يمتد ليشمل آثارًا دنيوية ملموسة، كزوال البركة، وتعكّر صفو الحياة، وتفكك الروابط الأسرية و تعسر في المعيشة و عدم الإستقرار النفسي و ما إلى ذلك من العقوبات الدنيوية. عافانا الله و إياكم.
أشكال العقوق بين القول والفعل
لا يقتصر العقوق على الأذى الجسدي أو العنف المادي، بل يتخذ أشكالًا متعددة، منها:
العقوق اللفظي: استخدام كلمات جارحة أو لهجة متعالية.
العقوق السلوكي: الإهمال، التجاهل، عدم احترام مشاعر الوالدين أو تهميش رأيهم.
العقوق المادي: الإمتناع عن تقديم الدعم المالي اللازم، رغم القدرة على ذلك.
الأسباب المتعددة للعقوق
بحسب مختصين في علم النفس والاجتماع، فإن للعقوق جذورًا متعددة، منها:
غياب التربية على القيم منذ الصغر، وهذا ما سبق ونصحنا به، تريد نباتا حسننا، إهتم في زراعته منذ الصغر وتوكل على الله فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
التأثر من مختلف البيئات الإجتماعية التي لا تقدّر مكانة الوالدين.
ضغوط الحياة الحديثة، و الإنشغال المفرط الذي يضعف التواصل الأسري، ويجعل الأبناء عرضة لتشتت وضياع.
الفهم المغلوط لمعنى الإستقلال الشخصي، بحيث يُنظر إلى نصائح الوالدين كتدخل غير مرحّب به، والذي يجب أن يعالج فوراً بالشورى بين الوالدين لاتخاذ القرار المناسب والسليم.
للعقوق آثار وخيمة على الفرد والمجتمع
كما قال رسول الله صلّ الله عليه وسلم، إذا صلُحَت مضغة القلب صلح الجسم كله وإذا فسدت فسد الجسم كله. كذلك إذا صلُحَ الفرد صلُحَ المجتمع بأكمله، وإذا فسد الفرد فسد المجتمع بأكمله.
العقوق لا يمرّ بلا أثر. فهو يُخلّف جراحًا نفسية عميقة لدى الوالدين، ويزرع في قلب العاق شعورًا بالذنب قد لا يُمحى. كما ينعكس على الأطفال لاحقًا، إذ يُرسّخ لديهم نموذجًا سلبيًا للتعامل مع الأهل.
وعلى المستوى المجتمعي، يُسهم العقوق في تفكك الأسرة، وتدهور منظومة القيم، ويغذي مشاعر القطيعة والكراهية بين الأجيال فتصبح مفككة ومنطوية على نفسها فيُكثر فيها الأمراض النفسية والبدنية على حد سواء.
التوبة من العقوق باب مفتوح
رغم فداحة الجُرم، فإن باب التوبة لا يُغلق. ويبدأ ذلك بالتالي، الإعتراف بالخطأ، والندم الحقيقي.
طلب المسامحة من الله، ومن الوالدين أنفسهم، تصحيح السلوك، والتعويض عبر البر والعناية والرحمة.
![]() |
| وجود الوالدين مع الأبناء هو ضرورة وليس اختيار |
برّ الوالدين ليس مجرد واجب
البر لا يُعدّ مجرّد التزام ديني، بل هو تعبير عن الوفاء، والاعتراف بالجميل، وردّ للفضل. هو سلوك حضاري وإنساني، يُعيد التوازن للعلاقات الأسرية، ويُعزز من استقرار الفرد النفسي والاجتماعي.
تعزيز ثقافة البرّ
تقع مسؤولية نشر ثقافة البر ومواجهة العقوق على عاتق الأسرة أولًا، ثم على المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال:
إدماج مفاهيم البر في المناهج التربوية.
إنتاج محتوى إعلامي يعكس النماذج الإيجابية.
تنظيم حملات توعوية تستهدف الشباب والأسر.
خلاصة القول
العقوق ليس فقط خطيئة دينية، بل هو شرخ في الوجدان الإنساني. إنه سلوك لا يُنتج إلا الندم، ولا يُورث إلا الألم. وفي المقابل، فإن برّ الوالدين هو طريق إلى رضا الله، وسرّ من أسرار السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة.
فلنُربّ أبناءنا على أن البر ليس خيارًا، بل هو ركيزة من ركائز الإيمان والإنسانية. فكما نُريد أن يُبرّنا أبناؤنا يومًا ما، فلنكن نحن البادئين بسنة الخير، ولنغرس فيهم هذا المعنى العظيم.
دمتم سالمين.

